القديس جوارجيوس - شفيع الكشاف
القديس جوارجيوس - شفيع الكشاف
ولد القديس جاورجيوس (ومعنى اسمه الحارث) في مدينة اللد في فلسطين سنة (280م ) من أبوين مسيحيين ( أب كبادوكي الوطن وأم فلسطينية ) كانا من أصحاب الغنى و الشهرة الاجتماعية فقد كان والده أناسطاسيوس واليًا على Melitene بكبادوكية ، وكانت والدته ثاؤبستى أو ثاؤغنسطا من فلسطين ابنة والي اللدّ , والذين توفيا عندما كان القديس جاورجيوس في سن العشرين ..

 

القديس جوارجيوس - شفيع الكشاف

 

ولد القديس جاورجيوس (ومعنى اسمه الحارث) في مدينة اللد في فلسطين سنة

(280م ) من أبوين مسيحيين ( أب كبادوكي الوطن وأم فلسطينية ) كانا من

أصحاب الغنى و الشهرة الاجتماعية فقد كان والده أناسطاسيوس واليًا على

Melitene بكبادوكية ، وكانت والدته ثاؤبستى أو ثاؤغنسطا من فلسطين ابنة

والي اللدّ , والذين توفيا عندما كان القديس جاورجيوس في سن العشرين ,

دخل في سلك الجندية و هو في السابعة عشرة من عمره , فشاهده الإمبراطور

ديوكليسيانوس يوماً ممتطياً صهوة جواده عالي القامة بهي الطلعة فاستدعاه

وكلمه فأحبه وادخله في فرقة الحرس الملكي ورقاه وجعله قائد ألف . اشتهر

في الحروب بانتصاراته حتى لقب "باللابس الظفر". و لما بدأ الإمبراطور

يضطهد المسيحيين و يعذبهم و أصدر أوامره بإجبار المسيحيين على عبادة

الأوثان و من رفض منهم يقتل على الفور. غضب جاورجيوس و دخل على

الإمبراطور، و جاهر بمسيحيته و دافع بحماسة عن المسيحيين و معتقداتهم ,

لأنه ليس لهؤلاء المسيحيين أي ذنب سوى أنهم يعبدون الإله الحق.. حاول

الإمبراطور أن يثنيه عن عقيدته المسيحية، بالوعود الخلابة و الترقية إلي

أعلى الرتب و بإغداق الأموال عليه، لكنه رفض كل هذا في إلحاح و حزم. غضب

الإمبراطور و أمر الجند بتعذيبه فاقتادوه إلي سجن مظلم و أخذوا ينكلون به

فأوثقوا رجليه بالحبال ووضعوا على صدره حجراً ضخماً و ظلوا يضربونه

بالسياط و الحراب حتى أفقدوه وعيه و تركوه مطروحاً، أما هو فكان يصلي و

في اليوم التالي اقتادوه إلي الإمبراطور آملين أن تكون تلك العذابات قد

كبحت جماح حماسته فظهر أكثر شدة و صلابة و أكثر جرأة فأمر الملك بإعادة

تعذيبه فوضع على دولاب كله مسامير ثم أدير الدولاب بعنف فتمزق جسده و

تشوه وجهه و خرجت الدماء كالينابيع من كل أعضائه، و لكنه احتمل ذلك بصبر

عجيب و سمع صوتاً سماوياً يقول له: " يا جاورجيوس، لا تخف لأني معك"

فتشددت عزيمته و خرج من تلك الآله الجهنمية و كأن لم يحدث شيء و قد شفيت

جراحه و إنقطع سيل الدم منه فأخذوه إلي الإمبراطور، فما إن رآه حتى تولاه

الذهول إذ وجده سليم الجسم كامل القوة، فحنق عليه الإمبراطور و أمر جنوده

بإعادته إلي السجن و أن يذيقوه ألواناً أخرى من التعذيب فأعادوه و ضربوه

بالسياط حتى تناثر لحمه، و صبوا على جسده جيراً حياً و سكبوا عليه مزيجاً

من القطران و محلول الكبريت على جراحه كي يتآكل جسمه و يذوب، فراح يعاني

معاناة فوق طاقة البشر، و لكن السيد المسيح أعانه على احتمال أهوال تلك

العذابات و ظل حياً، و في صباح اليوم التالي دخل الجنود عليه و لما فتحوا

باب السجن، رأوا القديس قائماً يصلي ووجهه يضئ كالشمس دون أي أثر

للتعذيب، فأخذوه إلي الإمبراطور الذي لما رآه أتهمه بالسحر و أحضر له

ساحراً ماهراً اشتهر بقدرته على أعمال السحر، وضع له في كأس ماء عقاقير

مهلكة تقتل من يشربها على الفور، و قرأ عليها بعض التعاويذ الشيطانية و

طلب من القديس أن يشربه، فأخذها القديس و رسم عليها إشارة الصليب و

شربها، فلم ينله أي مركوه و ظل منتصباً باسماً، ثم أخذ الساحر كأساً

ثانية و ملأها بسموم شديدة المفعول وقرأ عليها تعاويذ شيطانية أشد شراً

من السابقة و طلب تقييد القديس لكي لا يرسم علامة الصليب على الكأس كما

فعل في المرة السابقة. و لكن القديس بسبب إيمانه بقوة الصليب، راح يحرك

رأسه إلي أعلى، ثم إلي أسفل، ثم إلي اليسار، ثم إلي اليمين قائلاً في كل

مرة"هل أِرب الكأس من هنا، أم من هن، أم من هنا، أم من هنا" و بذلك رسم

علامة الصليب بأن أحنى رأسه في الجهات الأربع، ثم شرب الكأس فلم ينله أي

ضرر على الإطلاق، و كان ذلك مصداقاً لقول السيد المسيح له المجد"هذه

الآيات تتبع المؤمنين...... يحملون حيات و إن شربوا شيئاً مميتاً لا

يضرهم " (مر16: 17، 18) وحين يئس الإمبراطور من إجبار جاورجيوس على إنكار

السيد المسيح أمر بصنع عجلة كبيرة فيها مناجل و أطواق و سيوف حادة و أمر

جنوده بأن يضعوا جاورجيوس بداخلها و يديرونها فتحطمه و لما رأي القديس

هذه العجلة الرهيبة صلي إلي الرب أن ينقذه من هذه التجربة القاسية، وضعوه

في الجهاز الرهيب فانسحقت عظامه و تناثر لحمه و انفصلت كل أعضاء جسمه حتى

أصبح كتلة متداخلة، عندها صاح الإمبراطور مخاطباً رجال مجلسه قائلاً :

أين الآن إله جاورجيوس؟ لماذا لم يأت و يخلصه من يدي؟ ثم أمر جنوده

بإلقاء أشلاء جاورجيوس في جب عميق بحيث لا يمكن أن يصل إليه أنصاره، و في

الليل نزل السيد المسيح مع ملائكته إلي الجب و أقام القديس من الموت و

أعاده إلي الحياة سليم الجسم، و في الصباح دخل إلي الإمبراطور و أعوانه

فذهلوا جميعاً و قال الإمبراطور: هل هذا هو جاورجيوس أم شخص آخر يشبهه؟

فأنبه الأمير أناطوليس على جحوده و ظلام قلبه و أعلن إيمانه هو و جميع

جنوده بالرب يسوع المسيح، فغضب الإمبراطور و أمر بقتلهم جميعاً فماتوا

شهداء. بعد أن فشلت كل محاولات الإمبراطور مع القديس لينكر عقيدته دعاه و

أخذ يلاطفه و يتملقه بالوعود الأخاذة لكي يثنيه عن عزمه و يحمله على

الرجوع عن إيمانه، فتظاهر القديس جاورجيوس هذه المرة بأنه سيعود إلي

عبادة الأوثان و طلب إلي الإمبراطور أن يسمح له بالذهاب إلي معبد الأوثان

و يرى الآلهة ففرح الإمبراطور و أراد أن يكو ن هذا باحتفال علني فجمع

قواده و عظماء بلاطه و جمهور الشعب ليحضروا تقديم القربان للآله "أبولون"

من يد جاورجيوس، و عندما حضر جاورجيوس تقدم إلي تمثال "أبولون" و رسم على

نفسه إشارة الصليب و خاطب الصنم قائلاً له:" أتريد أن أقدم لك الذبائح

كانك إله السماء و الأرض"؟ فخرج صوت من أحشاء الصنم يقول:"إنني لست

إلهاً، بل الإله الذي تعبده أنت يا جاورجيوس هو الإله الحق" و في الحال

سقط ذلك الصنم على الأرض و سقطت معه سائر الأصنام فتحطمت جميعها، فأمر

الإمبراطور بقطع رأسه وكان ذلك في سنة ( 303م ) , بعد أن تم تعذيبه لمدة

سبعة سنوات!!! تحوَّل خلالها الكثيرين إلى المسيحية بسبب المعجزات التي

شاهدوها , فطار صيت استشهاده الرائع و جرأته النادرة في كل أرجاء

الإمبراطورية و لذلك يدعى "العظيم في الشهداء" و منذ ذلك اليوم أخذ اسمه

يتعاظم في كل البلاد شرقاً و غرباً و كثرت عجائبه حتى قامت الشعوب و

الأفراد تتسابق في إكرامه و طلب شفاعته و تشييد الكنائس على اسمه و تسمية

أبنائهم باسمه و هو من أقرب القديسين إلي عواطف المؤمنين. و صوره

الرسامون بصورة فارس مغوار، جميل الطلعة، عالي القامة، يطعن برمحه تنيناً

هائلاً و يدوسه بسنابك حصانه و يخلص ابنه الملك من براثن التنين، و ترى

تلك الأميرة واقفة مرتعدة من التنين و أبواها يشرفان عليها من فوق

الأسوار و يمجدان بطولة جاورجيوس. هذه الصورة رمزية و معناها أن جاورجيوس

الفارس البطل و الشهيد العظيم قد انتصر على الشيطان الممثل بالتنين و هدأ

روع الكنيسة الممثلة بابنة الملك.

نقل جسده الطاهر من مكان استشهاده إلي مدينة اللد في فلسطين، ووضع في

الكنيسة التي بنيت على إسمه هناك.

وقد شيدت على اسمه كنائس ومذابح في جميع الأقطار. واتخذته بريطانيا شفيعا

لها. ودعي كثير من ملوكها باسمه. ويكرمه الإنكليز إكراماً عظيماً.

وامتازت فرنسا أيضا بتكريمه. واتخذته جمهورية جنوا في ايطاليا شفيعها

الأول والأكبر. وجمهورية البندقية أنشأت فرقة رهبانية عسكرية على اسمه .

من أبرز قدّيسي كنيسة المسيح وأكثرهم شيوعاً في إكرام العامّة من

المؤمنين. في الأودية السابعة من قانون السّحر نرتّل له: "أيها الشّهيد

إنّ اسمك العجيب يُشاد به في كلّ الأرض، لأنّه لا يوجد بَرّ ولا بحر ولا

مدينة ولا قفر إلاّ وتتدفّق فيه، بالحقيقة، مجاري عجائبك الغزيرة". يتخذ

المؤمنون اسمه أكثر، فيما يبدو، من اسم آخر. وقد اعتادت الكنيسة، هنا

وثمّة، على تسمية العديد من الكنائس باسمه، منذ القرن الرّابع الميلادي.

كنيسة القدّيس جاورجيوس، في تسالونيكية مثلاً، تعود، في نظر الدارسين إلى

تلك الفترة. إلى ذلك يُستفاد من النقوش القديمة اقتران اسمه بالعديد من

الكنائس الخربة في سوريا وبلاد ما بين النهرين ومصر. ويبدو أن مركز

إكرامه، منذ القديم، كان اللدّ (ديوسبوليس). فهناك عدد من الرحّالة

المبكّرين، من الذين حجّوا إلى الأرض المقدّسة، بين القرنين السادس

والثامن للميلاد، يذكرون اللدّ باعتبارها مقام القدّيس وموضع استراحة

رفاته. الراهب دانيال الكييفي، في مطلع القرن الثاني عشر، أشار إلى كنيسة

كبيرة في اللدّ حملت اسم القدّيس جاورجيوس. ويوحنا فوقا الكريتي وصف تلك

الكنيسة، في حدود العام 1185م بأنها "عظيمة جداً" وأنها مستطيلة الشكل

وبإمكان المرء أن يرى فوهة ضريح القدّيس، تحت المائدة المقدّسة فيها،

مغطّاة بالمرمر الأبيض. وإلى اللدّ كانت للقدّيس جاورجيوس مكانة مرموقة

في حوران حيث أكثر الكنائس يحمل اسمه إلى اليوم. أبرز الموجود وأقدمه،

هناك، كنيسة القدّيس جاورجيوس في إذرع العائدة إلى العام 512م والتي لا

تزال قائمة. في هذه الكنيسة، وراء الهيكل، ينتصب ضريح لا يعرف المؤمنون

عنه سوى أنه للقدّيس جاورجيوس. المخطوط السينائي 402، من القرن الثالث

عشر، ينقل تقليداً كان متداولاً، أقلّه في القرن العاشر، يفيد بأن

القدّيس جاورجيوس استُشهد في حوران. هناك، في مكان لا يحدّده المخطوط

تماماً، اكتُشف جسده بصورة عجائبية. وقيل إن عمامته ومنطقته استُودعتا

حوران فيما نُقل جسده إلى اللدّ. وكاتب المخطوط يقول عن العمامة والمنطقة

إنه "ما أحد يقصدها وبه وجع إلاّ شُفي". فهل يكون ما ضمّه الضريح في

كنيسة إذرع هو العمامة والمنطقة؟ ليس هذا بمستبعد!

من جهة أخرى، كانت للقدّيس، في القسطنطينية، قديماً خمس أو ست كنائس ورد

أن أقدمها بناه الأمبراطور قسطنطين الكبير. وإلى قسطنطين، أيضاً، ينسبون

بناء كنيسة اللدّ، في تلك الفترة عينها. كذلك شيّد الإمبراطور البيزنطي

يوستينيانوس الأول (483- 565م) كنيسة لشهيد المسيح في مكان ما من أرمينيا

الصغرى. الأمبراطور موريق، أيضاً، بنى واحدة في القسطنطينية في أواخر

القرن السادس الميلادي. وفي سيرة القدّيس ثيودوروس السيقي (22 نيسان) ذكر

لكنيسة صغيرة باسم القدّيس جاورجيوس كانت مركزاً لحياته النسكية. القدّيس

جاورجيوس، في هذه السيرة, يلعب دور المحتضن للقدّيس ثيودوروس. يذكر أن

هذا الأخير رقد في حدود العام 613م.

في الغرب يفيد القدّيس غريغوريوس التوري بأن إكرام القدّيس جاورجيوس كان

ذائعاً في فرنسا في القرن السادس الميلادي. كما أن البابا غريغوريوس

الكبير (540- 604م) أمر بترميم كنيسة قديمة حملت اسم القدّيس، وعملت

القدّيسة كلوتيدس، زوجة كلوفيس، أول ملوك فرنسا المسيحيّين، على تشييد

هياكل عدّة حملت اسم شهيد المسيح.

هذا وقد اتّخذت بلدان أو مدن كثيرة، في الشرق والغرب، القدّيس جاورجيوس

شفيعاً لها. مثال ذلك بلاد الإنكليز والبرتغال وألمانيا وجنوا والبندقية

وجيورجيا والروسيا. فرق الكشّافة، بعامة، اعتادت أن تستجير به وكذلك

العسكر، والخيّالة بخاصة، والمزارعون والمبتلون بالطاعون والبرص والأمراض

الزهرية والجلدية وسواها.

في الروسيا عزّز القديس فلاديمير إكرام جاورجيوس في كل البلاد وبنى مدينة

يوري، والاسم تصغير جاورجيوس، وكذلك ديراً في نوفغورد وكنيسة في كييف.

يوري دولغوروكي (+1157م)، مؤسّس مدينة موسكو، تابع بناء الأديرة والكنائس

على اسم القدّيس. وأضحى رسم جاورجيوس وهو يقتل التّنين، شعاراً للقوّات

المسلّحة، منذ القرن الرابع عشر. والإيبيريون أي سكان "غروزيا" غيّروا

اسم بلادهم وجعلوه "جيورجيا" أي "أرض القدّيس جاورجيوس".

رغم كل ذلك، رغم الحيويّة التي تمتّع بها ذكر القدّيس في كل مكان وزمان،

في كنيسة المسيح، فإن أكثر ما نُقل عنه، في سيرته، ينتمي إلى أزمنة

متأخرة. في وثيقة تعرف بـ "De Libris recipiendis" تنسب إلى أسقف رومية

جيلاسيوس، وتُردّ إلى حوالي العام 495م، يُشار إلى أخبار عن القدّيس

جاورجيوس غير مثبتة ويُحصى فيها القدّيس في عداد "الذين أسماؤهم مكرّمة،

عن حق، بين الناس، لكن أعمالهم لا يعرفها أحد غير الله".

بالنسبة لأقدم النتف التاريخية عنه ثمّة من يدّعي أن الشهيد الذي ذكره

أفسافيوس القيصري في مؤلَّّفه عن تاريخ الكنيسة، الكتاب الثامن، الفصل

الخامس، والذي لم يُسمِّه هو إيّاه القدّيس جاورجيوس. لاكسانيتوس أيضاً

يذكر الخبر إيّاه الذي ذكره أفسافيوس في كتاب عنوانه "موت المضطهِدين".

لاكسانتيوس رقد في العام 320م. ماذا جاء في تاريخ أفسافيوس؟ "حالما أُذيع

الأمر الملكي ضدّ الكنائس في نيقوميذية، تقدّم شخص معيّن، لم يكن خامل

الذكر، بل ذا مركز رفيع، حرّكته الغيرة الإلهية واشتعلت فيه نيران

الإيمان، وأمسك بالأمر الملكي إذ كان معلَّّقاً علانية، ومزّقه إرباً

كشيء دنس وقح. وقد تم هذا إذ كان اثنان من الملوك في نفس المدينة. كان

الأول أكبر الجميع سناً واحتلّ الثاني رابع مكان في الحكم بعده. على أن

هذا الشخص، وقد كان أوّل شهداء ذلك المكان، بعد أن أبرز نفسه بهذه

الكيفية، تحمّل تلك الآلام التي كان محتّماً أن تنتج عن جرأة كهذه، وظلّ

محتفظاً بالثبات وبهجة الروح حتى الموت. 

التعليق :
اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
בניית אתרים